أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

280

العقد الفريد

ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائق حلل الملوك ، كل رجل منهم حلّة ، وعمّمه عمامة ، وختّمه بياقوتة ؛ وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجيبة ، وكتب معهم كتابا : أما بعد ، فإن الملك ألقى إليّ من أمر العرب ما قد علم ، وأجبته بما قد فهم بما أحببت أن يكون منه على علم ، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها ، وحمت ما يليها بفضل قوّتها ، تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزّز بها ذو والحزم والقوة والتدبير والمكيدة . وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب ؛ لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم ؛ فليسمع الملك ، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم ، وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم ، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم . فخرج القوم في أهبهتم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن ، فدفعوا إليه كتاب النعمان ، فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم . فلما أن كان بعد ذلك بأيام ، أمر مرازبته « 1 » ووجوه أهل مملكته ، فحضروا وجلسوا على كراسيّ عن يمينه وشماله ؛ ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وضعهم النعمان بها في كتابه ؛ وأقام التّرجمان ليؤدي إليه كلامهم ، ثم أذن لهم في الكلام . فقام أكثم بن صيفيّ فقال : إن أفضل الأشياء أعاليها ، وأعلى الرجال ملوكها ، وأفضل الملوك أعمّها نفعا ، وخير الأزمنة أخصبها ، وأفضل الخطباء أصدقها . الصدق منجاة ، والكذب مهواة ، والشرّ لجاجة « 2 » ، والحزم مركب صعب ، والعجز مركب وطيء . آفة الرأي الهوى ، والعجز مفتاح الفقر ، وخير الأمور الصبر . حسن الظن ورطة ، وسوء الظن عصمة . إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي . من فسدت بطانته كان كالغاصّ بالماء . شر البلاد بلاد لا أمير بها . شر الملوك من

--> ( 1 ) المرازبة : الرؤساء . ( 2 ) اللجاجة : تماحك الخصمين وتماديهما ، أي ان أصل الشرّ اللجاجة .